المغرب - نحو تغييرات هيكلية‎

كاتب المقال : هاشم بن الصالح

المغرب نحو إصلاح هيكلي للإدارة العمومية وتعزيز استقلاليتها وحماية المال العام

تشهد الإدارة المغربية تحديات هيكلية كبيرة نتيجة التجاذبات السياسية ونقص الاستقلالية في الوظيفة العمومية. يسلط هذا المقال الضوء على هذه الإشكاليات ويقترح حلولاً لإصلاح الإدارة العليا، بما يضمن فصل السياسة عن الإدارة، تحسين التوظيف في المناصب العليا، وتعزيز فعالية المؤسسات العامة لحماية المال العام وتحقيق التنمية المستدامة.

سياق التحديات الحالية وإشكاليات إصلاح الإدارة المغربية لتعزيز الفعالية والاستقلالية

يواجه المغرب أزمات سياسية وإدارية تهدد استقلالية الإدارة العمومية. يهدف المقال إلى اقتراح حلول لتعزيز استقلال الإدارة وحماية المال العام وضمان فعالية المشاريع الحكومية.

1 (2)

الأزمات السياسية والفساد التاريخي في المغرب وتأثيرها على الثقة في النخب الحكومية

أي مراقب للساحة السياسية المغربية يشعر بمدى الإحتقان التي تمر به الأمور. فبعد أزمة التعليم التي لم تغلق بعد كليا وأزمة الأطر الصحية التي ظهرت مؤخراً وهذا قد يكوون مؤشرا لأزمات تختفي تحت الرماض وقد تخرج للعيان في أي وقت.

بالإضافة لهذه الأزمات والإختناقات هناك أزمت صاعقة وصامتة وهي أزمة الثقة في ما يسمى بالنخب السياسية المغربية التي طالتها الفضائح والقضايا المعروضة على المحاكم والتي أطاحت بمسؤولين كبار وقد تطيح بآخرين.

الإطاحة بمسؤولين سياسيين ليس بالأمر الجديد وهذا امر يقع بين الفينة والأخرى كما حدث في أكبر حدث سنة 1972 فيما يعرف بقضية بان آم. في عام 1972 حيث تعرضت شركة بان آم، وهي شركة طيران أمريكية عملاقة لم تعد موجودة الآن، ترغب في الاستثمار في المغرب، للابتزاز المالي من قبل كبار المسؤولين المغاربة.

وبسرعة كبيرة، أبلغت الشركة البيت الأبيض، الذي أبلغ السلطات المغربية بهذه الحقائق. مما جعل الملك الراحل الحسن الثاني إلى اللجوء أمام محكمة العدل الخاصة. في ذلك الوقت كان رجل واحد في قلب نظام الفساد هذا: عمر بن مسعود.

الحفاظ على نزاهة الإدارة العمومية وحماية المال العام في ظل الفساد السياسي

شركة مما يجعله المحاور الوحيد لأي شركة ترغب في التأسيس في المغرب. يستغل مكانته لابتزاز المستثمرين الأجانب ويجبرهم على دفع مبالغ فلكية من أجل الحصول على موطئ قدم في المملكةأما الآن فالبلاد ميئة بأمثال بن مسعود. وفي سياق التحقيقات آنذاك، ظهر ما لا يقل عن عشرين قضية، شملت إدارات مختلفة من الدولة. في عام 1972 ، تم سجن ستة وزراء سابقين. من بينهم محمد إيماني ويحيى شفشاوني (أشغال عامة)، وعبد الكريم لزرق ومأمون طاهري (مالية)، ومحمد الجعيدي (تجارة وصناعة وتعدين وتجارة بحرية)، وأخيرا عبد الحميد كريم (سياحة).

وبالإضافة إلى ذلك، تجري محاكمة ثلاثة من كبار موظفي الخدمة المدنية وأربعة رجال أعمال بتهمة الفساد. وفي النهاية، تمت تبرئة عبد الكريم لزرك فقط، في حين تلقى المتهمون الآخرون أحكاما بالسجن تتراوح بين أربع سنوات واثنتي عشرة سنة، دون الاستيلاء على ممتلكاتهم. تم منحهم العفو بعد بضع سنوات.

ما يقع الآن هو أكثر خطورة حيث وإن كان حادث ألبان آم قد أطاح بوزراء فالخطر اليوم في تكاثر ونوعية وتشابك المطاح بهم وعلاقة بعضهم بمنظمات إجرامية.  هذا المقال هو واحد من المقالات التي أود كتابتها لتسليط الضوء على الإختلالات والأهم عرض بعض المقترحات المستوحات من تجربتي الشخصية كموظف سام في عدة وزارات من الحكومة الكندية لعقود.

…اقرأ المزيد

3

فصل الإدارة عن السياسة: ركيزة أساسية لتخليق الحياة العامة بالمغرب


للجواب على هذا السؤال أقترح ثلاثة قرارات سيادية:
ـ فصل الإدارة عن السياسة وجعلها غير محزبة.
ـ الإبتعاد عن النموذج الأوروبي والذي يجعل نفس الأحزاب تتنافس على المقاعد البرلمانية والجماعية.
ـ إقرار قانون جديد للتوظيف في المناصب العليا وإبعاد قرارات التوظيف من الطبقة السياسية بما في ذلك الوزراء، وجعل هذه القرارات في يد لجنة مستقلة مكونة من موظفين سامين ومجلس إدارة مشكلاً من الموظفين السامين وبعض الخبراء من مجال التعليم العالي والقطاع الخاص، لولاية لا تزيد عن سنتين للخبراء و6 سنوات لرئيس أو رئيسة هذه اللجنة.

1- فصل الإدارة عن السياسة وجعلها غير محزبة

كما كتبته في مقال سابق، يجب فصل السياسة عن الإدارة العمومية وهذا لا يعني حرمان الوزير من توجيه وزارته ولكن عندما تتخذ القرارات وتتبنى المشاريع فيجب إبعاد الوزير عن مجريات منح العقود حتى لا تكون هناك أي شبهات وأن يكلف الموظفين بذلك داخل إطار قانوني وإجرائي لجعل منح عقود الدولة على المعايير الدولية وبأخلاقيات عالية بعيداً عن المحسوبية والكسب غير القانوني.

بالإضافة إلى منح العقود يجب كذلك تحصين عمليات التوظيف من التجاذبات السياسية وبمعايير عالية لاختيار أحسن الأطر لخدمة الوطن والمواطنين بمهنية وشرف.
كل هذا لا يمكن إنجازه دون مراجعة مقاييس رواتب الموظفين لتحفيزهم أكثر وحتى تتجنب الاحتقانات، وأنا أثق في أن الزيادات في الأجور سوف يمسح بها ما يمكن أن تدخره الدولة من ترشيد الصفقات العمومية لاسيما العقود.

عندما أتحدث عن جعل الإدارة العمومية غير محزبة فأنا لا أتحدث عن كل الموظفين ولكن أحصر ذلك في الوظائف السامية ابتداءً من الكتاب العامين للوزارات ورؤساء المصالح والجامعات وكذا رؤساء المصالح الشبه عمومية والمستشفيات.

فهذه الفئة لها حق التصويت في الانتخابات بينما لا يمكنها الاندماج في الأحزاب السياسية وكذا المشاركة في التجمعات الحزبية.
إن إبعاد الموظفين العموميين عن السياسة سيساهم في خلق نموذج جديد للتسيير في المغرب وسيجعل الموظفين ولا سيما السامين مستقلين عن الحراك السياسي، مما سيمنحهم المجال والبعد الكافيين لتقديم النصائح الوازنة والمستقلة للوزراء بغض النظر عن انتماء هؤلاء الوزراء السياسية.

النموذج الأوروبي الذي بمقتضاه تختلط الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان وتلك التي تمثل الجماعات المحلية.
إن مثل هذا الخلط لا يمكن أن ينتج عنه كثير من المشاريع الفعالة لكون رئيس الحزب الماسك بزمام الأمور على مستوى الحكومة والجماعة يفرض وجهة نظره.
بالإضافة لكون المنتخبين الذين يمثلون الشعب في البرلمان وكذلك على مستوى الجماعات لا تمكنهم من العمل بفعالية نظراً لضيق الوقت المخصص لكلاهما.
إن هذا النظام قد أبان في الماضي عن عيوب عدة جعلت الجماعات المحلية كبقرة حلوب لتمويل الأحزاب السياسية كما وقع عندما كان جاك شيراك عمدة مدينة باريس، وهذه القضية تابعته حتى بعد انتهاء مدة رئاسته.

وهذا يحدث في المغرب ممثلاً في وجود الموظفين الأشباح.
إن الفصل بين التمثيلية البرلمانية والجماعية سيؤدي إلى وجود منافسة بين هذين المستويين التمثيليين.
بالإضافة إلى أن فك الارتباط بينهما سيساهم في الابتعاد عن الحسابات السياسية ومنح الحماية للأشخاص الذين تخول لهم نفوسهم إمداد الأيادي للمال العام وبالتالي تخليق تدبير الشأن العام.
إن فصل التمثيلية الحزبية سيمكن الطرف الحكومي من فرض مساطر مراقبة نزيهة لميزانيات ومصارف الجماعات المحلية والتي حين نتمعن فيها تشمئز الأنفس.

إن للأطر السامية دوراً هاماً في تسيير الإدارة المغربية لتحويل المشاريع الحكومية من حالة التخطيط إلى التنفيذ على أرض الواقع، لهذا يجب اختيار هذه الأطر العليا بطرق مستقلة عن المحسوبية ومنع هذه الأطر من التحزب طيلة ممارستهم لمهامهم الوظيفية لكي تبقى الإدارة العمومية مستقلة وقادرة على تطبيق قرارات الحكومة المنتخبة مهما كان انتماؤها، وبذلك ستبقى الإدارة العمومية تشكل استمرارية الدولة وقراراتها ومشاريعها.

إن دستور 2011 يخول للحكومة تعيين الموظفين في عدة مناصب عليا وكما قلت سابقاً يجب إبعاد الحكومة عن هذه التعيينات حتى لا تضفي هذه الفرضية أي لون سياسي على هذه التعيينات.
على الحكومة تفويض هذا التخويل الذي أعطاها الدستور إياه إلى لجنة الوظيفة العمومية التي تحدثت عنها سالفاً.

إن هذه النظرة الموجزة بإستطاعتها أن تعطي زخما كبيرا للمضي قدما على طريق تخليق الإدارة العمومية وتحسين التسيير الإداري بالإضافة إلى صيانة المال العام والإبتعاد عن الإرتشاء والتصرف الغير المقبول في المال العام.  إن هذه النقط الثلاثة تستحق الوقوف عندها ولا يجب رؤيتها كوسيلة لإضعاف الحكومة بل كوسيلة لأعطاء الحكومة مجال افضل لتنفيد مشارعها خالية من مقاومة الموظفين المتحزبين.

في الختام يمكنني القول أن المغرب لا يكنه أن يستمر على هذه الحال بسبب هدر المال والإنشاء الذي يطيح بين الفينة والأخرى بمثل جماعي أو برلماني.

Un espace d'échange d’idées et d’expériences

Castor de l’Atlas - forum en ligne indépendant

Le Castor de l’Atlas est un média indépendant qui crée des passerelles entre le Maroc et le Canada, en valorisant le dialogue, les échanges d’idées et les bonnes pratiques autour des enjeux contemporains.

Nous sommes à votre écoute…

Restons en contact

Pour toute question, suggestion ou proposition d’article, n’hésitez pas à nous contacter. Le Castor de l’Atlas est un espace d’échange ouvert à toutes les voix qui souhaitent contribuer à une réflexion partagée entre le Maroc et le Canada.

Notre bureau

Nos horaires d'ouverture :

Lun-Ven : 9h00-16h00
Sam : 9h00-12h00

Contact

Téléphone:
+1 613-209-0454


Email:

contact@catoratlas.com

Retour en haut